سياسات التعليم في البيئات التعليمية

يعتبر الحق في التعليم من الحقوق الأساسية المكفولة، هذا على الأقل ما تؤكد عليه المعاهدات والمواثيق، لكن حين تكون هناك حاجة لإعمال هذا الحق في ظل اللجوء والتشريد فالمسؤولية مضاعفة والتحديات أكبر .

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وغيرها من مصادر القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان كلها مما يؤكد على توفير الحق في التعليم.

وقد ورد الحق في التعليم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر عام 1948 حيث نصت مادة 20 منه على :

  1. لكل شخص الحق في التعلم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان، وأن تكون التعليم الأولي إلزاميا وينبغي أن يعمم التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة.
  2. يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملا، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية، وإلى زيادة مجهود الأمم المتحدة لحفظ السلام.
  3. للآباء الحق الأول في اختيار نوعية تربية أبنائهم.

وفيما يخص موضوع تعليم اللاجئين في حالات الطوارئ فإن الأمر ذو خصوصية، وبالرجوع إلى ما ورد آنفا، نتساءل:

عن أي حق للآباء في اختيار نوعية التعليم لأبنائهم يدور الحديث وهم في حالة لجوء؟  فالأمر هنا يجعل الأولوية لتوافر التعليم بغض النظر عن نوعيته.

كما أن تحقيق إنماء شخصية الفرد نقطة يجب ألا يتم القفز عنها حتى في حالات الطوارئ لأن أهمية التربية على المواطنة والقيم تتزايد في حالات الطوارئ.

وبناء عليه، يمكن القول إن حالت الطوارئ واللجوء تستوجب وجود سياسات وطنية خاصة، تبقي على الحد الأدنى من التحصيل مع تضمين البرامج التعليمية منظومة من البرامج والأنشطة التي تعزز القيم ، وبما يبقي على التواصل بين الطلبة والتعليم،وفي هذا الإطار قد يكون التعليم مفتقرا للبنية التحتية اللازمة، ورغم ذلك يجب الإبقاء على تشجيع التربية الأساسية أو تكثيفها، إلي أبعد مدى ممكن، من أجل الأشخاص الذين لم يتلقوا أو لم يستكملوا الدراسة الابتدائية.

قبل الخوض في السياسات الوطنية المتبناة في الأوضاع الاستثنائية وجب التأكيد على منطلقات

مما سبق نلاحظ أن أهم القضايا التي وردت في النصوص الدولية هي:تتمثل في إلزامية التعليم إلزامية الأساسي ومجانيته، وإزالة أي نوع من التمييز في الوصول للتعليم على أساس الدين أو الجنس أو اللون أو العرق أو الإعاقة خاصة وأن ظروف الطوارئ قد تعطي الأولوية لتوفير التعليم دون الالتفات إلى ما يمكن اعتباره من ركائز التأسيس لمنظومة قيم.

من المعروف أن التحدي الأكبر في حالات اللجوء والطوارئ هو كيفية الإبقاء على الإلزامية والمجانية نظرا لقلة الموارد المالية في معظم الأحيان، والإمكانيات البشرية في أحيان أخرى.

عموما؛ يظل التعاطي مع إشكالية التعامل مع التعليم في الحالات الطارئة إشكالية في حد ذاته، وحتى لا يتواصل الدوران في حلقة مفرغة يمكن الحديث عن السياسات المتبناة وطنيا للتعامل مع ذلك، ومنها:

  • تخصيص موازنات ثابتة للتعليم وتحاشي الوقوع في مطب ذوبان مخصصات التعليم في ظل مخصصات الإعاشة والتموين.
  • تطوير برامج تعليمية تراعي خصوصية الحالة، وبحيث يراعى في تصميمها:
  • تضمنها جوانب إرشادية ونفسية.
  • التركيز على البعد القيمي والمواطنة.
  • تحقيق الحد الأدنى المطلوب معرفيا وتحديد الأولويات إما على صعيد المواد التعليمية أو تفريعاتها.
  • بناء مقررات خاصة تخلو من التكثيف وتنحاز للتركيز على المهارات والمعارف الأساسية.
  • التركيز على توظيف التكنولوجيا وتطبيقات الهاتف المحمول وهي تجربة حققت نتائج طيبة في أفغانستان.
  • توفير الكوادر المؤهلة، فثمة محاذير أحيانا من جعل تنفيذ البرنامج التعليمي في حالات الطوارئ هدفا في حد ذاته، دون الاهتمام بالجوانب الأساسية.
  • التركيز على برامج خاصة بالتعليم العلاجي التمكيني، وبحيث تتضمن أوراق عمل تتضمن إرشادات تحقق التعلم الذاتي والربط بالكتب المقررة أصلا، وهي تجربة لقيت نجاحا في فلسطين حين كان من المتعذر على الطلبة الوصول لمدارسهم في حالات الاجتياح ومنع التجوال.
  • تطبيق برامج تعليمية عن بعد وبحيث تتم الإفادة من التلفاز والإذاعات لصالح تحقيق التواصل بين الطلبة والمواد التعليمية.

علاوة على ما سبق؛ يمكن تصميم مصفوفة أنشطة لا تقتصر على جانب التعليم المرنبط بالتحصيل الأكاديمي فقط، فالأنشطة الموسيقية والفنية والرياضية يجب أن تكون من الأولويات في حالات الطوارئ،  وهو ما يستوجب توفير برامج هادفة تندرج في هذا السياق، وبالتلي يمكن اعتبار هذا المكوّن من مكونات أي برنامج في حالات الطوارئ.

في ضوء طبيعة ما هو مطلوب، يجدر الاهتمام أيضا باستقطاب أولياء الأمور الممكن توظيف خبراتهم لصالح لإسناد جهود التعليم، ومن هنا قد يكون هناك برامج تأهيل مبسطة لأولياء الأمور لضمان انخراطهم الفاعل في أي برامج تعليمية.

إن الأولويات والسياسات المتبناة في مثل هذه الظروف يجب أن تتسم بالمرونة، والتنوع، والشمول، والتركيز على المعارف والمهارات الأساسية، مع المزاوجة بين جانبي المعارف والأنشطة لتحقيق الاتجاهات المطلوب إحداثها، فالهدف من التعليم في حالات الطوارئ هو الإبقاء على  التواصل بين الطالب والتعليم.

يبقى السؤال،- وهو سؤال يغيب عن بال الكثيرين عندما يتعاملون مع التعليم في حالات الطوارئ – ما مصير التعليم العالي؟ وهذا السؤال نابع من أن جل التدخلات إن لم يكن كلها تركز على التعليم العام/المدرسي، وقد حان الوقت لبلورة رؤى وإستراتيجيات للتعاطي مع قطاع التعليم العالي في حالات الطوارئ، وهو ما يمكن مبدئيا تحقيقه من خلال برامج التعليم المفتوح، وبرامج توظف الإعلام والتلفاز، وتوظيف التكنولوجيات بالتركيز على برامج تتبنى تطبيقات الهواتف المحمولة خاصة وأن الفئة العمرية تتيح تبني أساليب تكنولوجية .

على العموم، هناك تجارب يمكن الإفادة منها، لكن أي سياسات وطنية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المقومات المتوافرة، مع التأكيد على أن أي جهد مهما كان بسيطا هو جهد يعزز حالة الإبقاء على التواصل المفترض.

 

Author: Refaat Sabbah, a human rights and education activist, is president of the Global Campaign for Education



اترك تعليقاً